ابراهيم بن عمر البقاعي
390
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
بتصديقهم له ، ثم علل سبحانه فعله ذلك بقوله : رَحْمَةً ولما كان في مقام الحث على الصبر عظم الأمر بقوله : مِنَّا فإنه أعظم من التعبير في سورة الأنبياء بعندنا ، ليكون ذلك أحث على لزوم الصبر ، وإذا نظرت إلى ختام الآيتين عرفت تفاوت العبارتين ولاح لك أن مقام الصبر لا يساويه شيء ، لأن الطريق إليه سبحانه لا ينفك شيء منه عن صبر وقهر للنفس وجبر ، لأنها بالإجماع خلاف ما تدعو إليه الطبائع وَذِكْرى أي إكراما وتذكيرا عظيما لِأُولِي الْأَلْبابِ * أي الأفهام الصافية ، جعلنا ذلك لرحمته ولتذكير غيره من الموصوفين على طول الزمان ليتأسى به كل مبتلى ويرجو مثل ما رجا ، فإن رحمة اللّه واسعة ، وهو عند القلوب المنكسرة ، فما بينه وبين الإجابة إلا حسن الإنابة ، فمن دام إقباله عليه أغناه عن غيره : لكل شيء إذا فارقته عوض * وليس للّه إن فارقت من عوض ولما أجمل العذاب الصالح لألم الظاهر ، وذكر المخلص منه ، أتبعه التنبيه على أعظمه وهو ألم الباطن ، بل أبطن الباطن التعلق بالاعتقاد فيما وسوس لزوجه رضي اللّه عنها بما كاد يزلها فحلف ليضربنها مائة لئلا تعود إلى شيء من ذلك فيزلها عن مقامها كما أزل غيرها فأرشده سبحانه وتعالى إلى المخلص من ذلك الحلف على أخف وجه لأنها كانت صابرة محسنة ، فشكر اللّه لها ذلك ، وجعل هذا المخلص بعدها سنة باقية لعباده تعظيما لأجرها وتطييبا لذكرها فقال عاطفا على ارْكُضْ وَخُذْ بِيَدِكَ أي التي قد صارت في غاية الصحة ضِغْثاً أي حزمة صغيرة من حشيش فيها مائة عود كشمراخ النخلة ، قال الفراء : هو كل ما جمعته من شيء مثل الحزمة الرطبة ، وقال السمين : وأصل المادة يدل على جمع المختلطات فَاضْرِبْ بِهِ أي مطلق ضرب ضربة واحدة وَلا تَحْنَثْ في يمينك أي تأثم بترك ما حلفت على فعله ، فهذا تخفيف على كل منهما لصبره ، ولعل الكفارة لم تكن فيهم وخصنا اللّه بها مع شرعه فينا ما أرخصه له تشريفا لنا ، وكل هذا إعلاما بأن اللّه تعالى ابتلاه صلّى اللّه عليه وسلّم في بدنه وولده وماله ، ولم يبق له إلا زوجة فوسوس لها الشيطان طمعا في إيذائهما كما آذى آدم وحواء عليهما السّلام ، إلى أن قارب منها بعض ما يريد ، والمراد بالإعلام به تذكير النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأنه إن كان مكن الشيطان من الوسوسة لأقاربه والإغواء والإضلال فقد منّ عليه بزوجه أعظم وزراء الصدق وكثير من أقاربه الأعمام وبني الأعمام وغيرهم ، وحفظ له بدنه وماله ليزداد شكره للّه تعالى ، وفي القصة إشارة إلى أنه قادر على أن يطيع له من يشاء ، فإنه قادر على التصرف في المعاني كقدرته على التصرف في الذوات ، وأنه سبحانه يهب لهذا النبي الكريم قومه العرب الذين هم الآن أشد الناس عليه وغيرهم فيطيعه الكل .